مشاركات

ولنسيرَ معاً نحو نهار جديد وعزيمة متجددة – كلمتي باسم نادي خريجي جامعة القلمون في حفل تخرج الكوكبة 11

بمناسبة تخرج الكوكبة الحادية عشرة من طلاب جامعة القلمون الخاصة، قمت بإلقاء كلمة باسم نادي خريجي الجامعة، وذلك في 18  آب 2017 وهي في الفيديو التالي:

وفيما يلي نص الكلمة:

أجملُ اللحظاتِ تلك هي التي تضمُنا معاً، في حنايا شموخِ السنديانِ والزيتونْ، وفي أعطافِ صخورِ جبالِ القلمون الشماءِ الحانيةِ على أبنائها حُنوَّ الأم في أمسيةٍ صيفيةٍ لطيفة…

وأثمنُ الأوقاتِ هي ما يجمعنا نحنْ، أبناءَ جامعةِ القلمونِ الخاصة، أساتذةً وطلاباً وخريجين، مجددين عهداً تبنّته جامعتنا قبل أربعةَ عشرَ عاماً كشعارٍ ونهج تعمل به؛ إلى العلياء بالعلم ..

هيَ أسمى اللقاءات حين نلتقي معاً في حفلِ تخريجِ كوكبةٍ جديدةٍ من كوكباتِ القلمونِ التي بلغت إحدى عشرةَ كوكبةً، ضمت المئاتُ من الخريجين الذين أثبتوا جدارتهم في الحياة، وكانوا خيرَ شركاء وسفراء لهذه الجامعة التي سارت طوالَ السنوات الماضية بخطوات راسخةٍ وثابتةٍ على خطى كبرى الجامعات العريقة.

قبلَ خمسِ سنواتْ وقفتُ وزملائي في الكوكبة السادسة على هذا المدرج، معاهدين أنفسنا وذوينا وأساتذتنا وجامعتنا على السير قدماً بما حصّلناه من علمٍ في جامعتنا الغراء. وقد أدركت منذ ذلك اليوم أن الحصولَ على الشهادةِ الجامعيةِ لم يكن حلماً بقدر ما هو هدفٌ قد تحقق وتم تجاوزه سعياً للوصول إلى مرحلةٍ أكبرَ وأعمّ. وعرفتُ أن الحصولَ على شهادة المرحلة الجامعية الأولى لم يكن إلا بدايةً لطريقٍ طويلةٍ قد تبدو بسيطةً وجميلةً للبعض، لكنها قد تكون وعرة وغير معبدة بالورود للبعض الآخر.

لم يكنْ خريجوا القلمونِ على مدى عشرِ دُفعاتٍ خرّجتها هذه الجامعة إلى سوق العمل فاعلين ومنتجين فحسب، بل كانوا قصصاً للنجاح أينما حلّوا وأينما ذهبوا، فهناك من زملائنا من حصل على براءات اختراع عالمية، وهناك من تابع دراساتِه العليا في جامعات عريقة كأوكسفورد البريطانية وغيرها. عشراتٌ من زملائنا حصلوا على وظائفَ مرموقةٍ في كبرى الشركاتِ والمنظماتِ العالمية، والعددُ الأكبرُ من خريجي الكلياتِ الطبيةِ حصلَ على قبولٍ للاختصاص في جامعات أوربية وأمريكية فيما راح بعضهم ليفتتح عيادات وصيدليات فعملَ وأبدع.  عشراتٌ من خريجي القلمون المهندسين والمعماريين يعملون في شركاتٍ عالميةٍ كبرى كاستشاريين ومصممين ومنفذين، وكثرٌ هم من درسوا اختصاصات ثانية بعد تخرجهم من القلمون في جامعات أخرى. وفيما أسس آخرون شركاتٍ ناجحةٍ في الأعمال، حصلتْ نخبةٌ منهم على جوائز محلية وعالمية في مجالات متعددة، بينما أضحى آخرون إعلاميين ودبلوماسيين وإداريين مرموقين في مطارح متعددة.

إلى العلياءِ بالعلمْ شعارٌ وَسَمَ جامعة القلمون الخاصة منذ تأسيسها، سنواتٌ خاضت فيها الجامعة بهيئتها التدريسية وكادرها الإداري، بطلابها وخريجيها، طموحاً تشاركياً وتحدٍ كبير، بثقة ومثابرة، بعلم وعمل، بإدارة مسؤولة ورشيدة للمعرفة وبتنظيم لها، وذلك ابتغاء بناء منظومة أكاديمية رائدة، طرحت وتطرح قيماً مضافة للمجتمع وأنتجت وتنتج قصصاً للنجاح.

زملائي الخريجين:

ما الفضل إلا لأهلِ العلمِ أنهمُ.. على الهُدَى لِمن استهدى أدلاءُ

وقيمةُ المرءِ ما قَد كانَ يُحسنُهُ.. والجاهلونَ لأهلِ العلمِ أعداء

ففز بعلمٍ ولا تطلُبْ بهِ بدلاً.. فالناسُ موتى وأهلُ العلمِ أحياء

ها أنتم اليوم تتخرجون من الجامعة، وتتجاوزون هدفاً حياتياً معلنين انطلاقتكم نحو الحياة العملية، فهل انتهى طريقكم هنا؟ بالطبع لا، لقد علمتنا الحياةُ العمليةُ أن العلمَ طريقٌ طويلٌ لا نهاية له، وأنه ثقافةُ حياةٍ تعني أن الإنسانَ يجبُ أن يتعلمَّ في كلِّ يومْ، وأن يكتسبَ خبرةً جديدةً في كلِ يومْ، وأن يتعلمَّ مهارةً جديدةً في كلِ يومْ، وبهذه الفلسفةِ الحياتية يكون الإنسان مسلحاً بالمعرفةِ اللازمةِ لمواجهةِ أي صعوبةْ تعترض طريق حياته، ليخلقَ بنفسه ولذاته الفرصَ الواسعةَ والمتنوعةَ.

وما اليومُ إلا محطةً جديدةً تضعونَ فيها أقدامكم على أرضٍ ثابتةٍ، تخطونَ بها الخطوةَ الأولى في طريق الحياة لتنسجوا فيما بعد قصصَ نجاحكم، وتأسيساً على ما سبق، عليكم ألا تنتظروا الفرص، لأن التجربة الحياتية علمتنا، أنَّ خريجَ القلمونِ قادٌر على صُنعِ فرصته بعِلمه وعمله بمثابرتهِ وجديتهِ وحرصهِ على وقته، بحبه وشغفه لعملهِ ومجتمعهِ ووطنهِ. فثابروا واجتهدوا، تطوعوا وساهموا في مجتمعاتكم، طوروا أنفسكم دائماً، وانهلوا من العلم والمعرفة أنى كنتم وفي أي موقعٍ تصلون إليه، أحبوا وطنكم بأقصى ما تستطيعون من حب، وكونوا سفراء حقيقيين لجامعتكم فاسمها ارتبط بأسمائكم للأبد، وفيها وضعتم اللبنة الأولى في مستقبلكم، فكونوا خير مستثمرين للاسم واللبِنة.

 

زملائي الخريجين، السادة الحضور:

إنني أعلم كما تعلمون، بأن طريق الوصول لهذا اليوم لم تكن سهلةً عليكم، ولم تكن مثلما كانت علينا كخريجي الدفعات السابقة، فالحرب في بلادنا طالت الجامعةُ مثلما طالت كلَ شبرٍ من البلاد، لكن على الرغم من ذلك، يكفي القلمون فخراً أنها الجامعةُ الخاصةُ الوحيدةُ التي لم ينقطع فيها الدوام الجامعي يوماً، وأنها حافظت على مقراتها الأساسية ومرافقها وحرمها الجامعي، واستثمرتها خيرَ استثمارٍ في استمرارية رسالتها السامية.

يكفي جامعة القلمون وخريجيها أن الجامعة حافظت طوال سبعِ سنواتٍ من الحرب على مستوىً جيدٍ من الجودة في التعليم وبحكمة في الإدارة وسط هذا البحر من الخراب، وهو أمر يكاد يكون معجزة، عززته الإرادة الصلبة لإدارة الجامعة بالاستمرار ولم يكن هذا الأمر ليكون إلا بجهود أولئك الأبطال حماة الديار، الذين كان لهم الفضل في الحفاظ على أمن وأمان الجامعة ومنطقتها، أبطال الجيش العربي السوري الذين نحمل لهم أعظم وأكبر التحيات، والذين نجل فيهم عظيم التضحيات في سبيل أن نحيا وأن نعمل ونستمر.

 

زملائي الخريجين، السادة الحضور:

“في حياةِ الشعوبْ أجيالٌ يواعدها القدر، ويختصها دونَ غيرها بأن تشهد نقاطَ التحولِ الحاسمةِ في التاريخ، إنه يتيح لها أن تشهدَ المراحلَ الفاصلةِ في تطورِ الحياة الخالد، تلك المراحل التي تًشبهً مهرجان الشروقِ حينَ يحدثُ الانتقالُ العظيمُ من ظلامِ الليلِ إلى ضوءِ النهارْ.” كان هذا اقتباس من خطاب الوحدة الذي ألقاه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر،

وتأسيساً على هذا الكلام أقول، نحن أبناءُ جيل لم يواعده القدَرُ فحسب، ولم يختصه دون غيره بأن يشهدَ نقاطَ تحولٍ في التاريخِ فحسبْ، بل نحن جيلٌ اختَصهُ القدرُ بالمحن، نحن أبناءُ جيلٍ قُدّرَ له أن يعيش في زمن كهذا الزمن، وفي حرب كهذه الحرب، جيلٍ قُدّرَ له أن يسعى لفتح شبابيكَ أملٍ في جدران الخراب، جيلٌ ألزمته الحربُ بأن يوقِد قناديلاً في ظلام الأمة الحالك، تحن أبناء جيل قُدّرَ لهُ أن يَصبِر ويُصابِرَ حتى يرى النصر صبر ساعة.

لقد حمل جيلنا على أكتافه مشقة الحرب، بكافة أبعادها، فسعى الأخيار من هذا الجيل وهم كثر، لتحويل هذه المشقّة لأسطورة في الصمود والعمل، ستُدوَّنُ حقائقَ في صحائف التاريخ، ولا فخر لجيلنا اليومَ بما يصنعُ من خيرٍ وسطَ هذه الشرور فهذا واجب، بل الفخر بالتحدي الراسخ لهذه الحرب ومشقّتها ومفرزاتها ونتائجها الفخر بالصمود الذي أوصلنا لهذا اليوم متسمرين عاملين منتجين.

قريباً ستضعُ هذه الحربُ أوزارها، فإن كانتْ السنواتُ السبعُ التي خلت لم تثنِنا على الاستمرار بالحياة، فإن المستقبلَ قادمٌ لا محالة، لا نتنبأ بشكله حكماً. لكننا قادرون اليوم على تقدير احتياجاته، وبلادنا تحتاجنا بكل ما أوتيت هي من عزيمة للحياة، وبكل ما أوتينا نحن من قوة وإرادة للعمل، بعلمنا، وفكرنا، وتصدينا لتحديات هذا المستقبل. لنعمل معاً يداً بيد حتى يُؤذن للشروقِ بأن يحدثَ لحظة الانتقالِ العظيم ساعة الفجرِ، من ظلام الليل إلى ضوء النهار، ولنسيرَ معاً نحو نهار جديد وعزيمة متجددة.

مبارك لكم التخرج، مبارك لنا بكم انضمامكم إلينا في سجل خريجي جامعة القلمون، ومبارك للجامعة باستمرار عطائها، وإلى العلياء بالعلم ….


كلمة التخرج كما وردت في مجلة الجامعة “قلم موون”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى